محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

12

الاعمال الصوفية

والخواص وخواص الخواص ، ويصوغ ذلك بعبارات هي : « يا من هو هو » و « يا من لا هو إلا هو » و « يا من لا هو بلا هو إلا هو » « 7 » . ونحن نجد النفّريّ يكرر هذه العبارات بعينها في موضعين . فيقول في « موقف رؤيته » : « فأوقفني في هو ، وتعرّف إليّ من قبل هو ، التي هي هو ، ليس من قبل هو الحرفية . . . . فعرفت التعرّف من قبل هو التي هي هو ، ورأيت هو ، فإذا ليس هو هو إلا هو ، ولا ما سواه يكون هو » . ويقول أيضا في « مواقف ومناجيات » : « فهو هو وليس شيء سواه هو هو إلا هو . فهو هو حقيقة هي هو . وهو حقيقة الهو ، وهو الهو » . ولا نستبعد أن يكون الغزالي قد أخذ هذه الفكرة من النفّريّ . ويوشك النفّريّ أن يصرح بهويته في نص شعري يقول فيه : أليس العلم جمعا قد أتاني * يخاطبني على حدّ البيان وقال : اشرب عراقيّ مشار * إلى أمر يجلّ عن البيان وقلت لكل علم : لست مني * ولا أنا منك في قرب التداني ويبدو أن الأب نويا لم يستطع فهم البيت الثاني فهو يضع أمامه كلمة ( هكذا ) . وكلمة ( مشار ) تعني مجتنى . يقال : شرت العسل ، أشوره شورا ، من باب ( قال ) : جنيته ، ويقال : شربته « 8 » . وما ينسب للعراق في العادة التي جرى بها التراث الأدبي هو الخمرة والسحر ، لكن الخمرة مؤنث والسحر لا يشرب . فما الذي قصده النفّريّ بالعراقي ؟ ينسب إلى العراق أيضا العقل لأنه مذهب أبي حنيفة وأهل العراق . وبالتالي فنحن أمام استعارة تشخيصية يتحول فيها العقل - وهو قرين العلم - إلى عسل مجتنى قادر على النطق ، يدعو النفّريّ إلى شربه ، بغية الوصول إلى ما يجلّ عن البيان ويدقّ

--> ( 7 ) قرأت كتاب « مشكاة الأنوار » بطبعة الدكتور أبي العلا عفيفي قبل أكثر من عشرين سنة ولا يتوفر في الوقت الحاضر بين يدي في مكتبتي في أستراليا . وبعد محاولة استرجاع هذا النص من الذاكرة ، وجدت نشرة للكتاب على الأنترنيت في موقع ( الوراق ) ، يرد فيها النص بالصورة التالية : « بل كما لا إله إلا هو ، فلا هو إلا هو : لأن ( هو ) عبارة عما إليه إشارة كيفما كان ، ولا إشارة إلا إليه . بل كل ما أشرت إليه فهو بالحقيقة إشارة عليه وإن كنت لا تعرفه أنت لغفلتك عن حقيقة الحقائق التي ذكرناها . . . . فإذن ( لا إله إلا الله ) توحيد العوام ، و ( لا إله إلا هو ) توحيد الخواص ، لأن هذا أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة » . ولا توجد فيه إشارة إلى توحيد خواص الخواص . ( 8 ) المصباح المنير ، 1 / 446 .